أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
521
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المنصوب وكذلك : ما ضرب القوم أحدا إلا بعضهم بعضا . وقال أبو بكر بن السراج : تقول : « أعطيت الناس درهما إلا عمرا » جائز . ولو قلت : « أعطيت الناس درهما إلا عمرا الدنانير » لم يجز ، لأنّ الحرف لا يستثنى به إلا واحد . فإن قلت : « ما أعطيت الناس درهما إلا عمرا دانقا » على الاستثناء لم يجز ، أو على البدل جاز فتبدل « عمرا » من الناس ، و « دانقا » من « درهما » . كأنك قلت : « ما أعطيت إلا عمرا دانقا » يعني أنّ الحصر واقع في المفعولين . قال بعض المحققين : « وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة ضعيف ، وذلك أنّ البدل في الاستثناء لا بدّ من مقارنته ب « إلّا » ، فأشبه العطف ، فكما أنه لا يقع بعد حرف العطف معطوفان لا يقع بعد « إلّا » بدلان » . فإذا عرف هذا الأصل وما قال الناس فيه كان إعراب أبي البقاء في هذه الآية الكريمة من هذا الباب ، وذلك أنه استثناء مفرّغ ، وقد وقع بعد « إلّا » الفاعل وهو « الذين » ، والجارّ والمجرور وهو « من بعد » ، والمفعول من أجله وهو « بغيا » فيكون كلّ منهما محصورا . والمعنى : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه إلّا من بعد ما جاءتهم البينات إلا بغيا . وإذا كان التقدير كذلك فقد استثني ب « إلّا » شيئان دون الأول الذي هو فاعل من غير عطف ولا بدلية . وإنما استوفيت الكلام في هذه المسألة لكثرة دورها . قوله : بَغْياً في نصبه وجهان : أظهرهما : أنه مفعول من أجله لاستكمال الشروط ، وهو علة باعثة . والعامل فيه مضمر على ما اخترناه ، وهو الذي تعلّق به « فيه » و « اختلف » الملفوظ به عند من يرى أنّ « إلّا » يستثنى بها شيئان . والثاني : أنه مصدر في محلّ حال أي : باغين ، والعامل فيها ما تقدّم . و « بينهم » متعلق بمحذوف لأنه صفة ل « بغيا » . أي : بغيا كائنا بينهم . قوله : لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ « لما » متعلّق ب « هدى » وما موصولة ، والضمير في « اختلفوا » عائد على « الذين أوتوه » ، وفي « فيه » عائد على « ما » وهو متعلّق ب « اختلف » . و مِنَ الْحَقِّ متعلّق بمحذوف لأنه في موضع الحال من « ما » في « لما » . و « من » يجوز أن تكون للتبعيض وأن تكون للبيان عند من يرى ذلك تقديره : الذي هو الحق . وأجاز أبو البقاء أن يكون « من الحق » حالا من الضمير في « فيه » والعامل فيها « اختلفوا » . وزعم الفراء أنّ في الكلام قلبا والأصل : « فهدى اللّه الذين آمنوا للحقّ ممّا اختلفوا » واختاره الطبري . وقال ابن عطية : « ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحقّ ، فهدى اللّه المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه ، وعساه أن يكون غير حق في نفسه » قال : « والقلب في كتاب اللّه دون ضرورة تدفع إليه عجز وسوء فهم » انتهى . قلت : وهذا الاحتمال الذي جعله ابن عطية حاملا للفراء على ادعاء القلب لا يتوهّم أصلا . قوله : بِإِذْنِهِ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بمحذوف لأنه حال من الَّذِينَ آمَنُوا أي : مأذونا لهم . والثاني : أن يكون متعلقا بهدى مفعولا به ، أي : هداهم بأمره .